سليمان بن موسى الكلاعي
309
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فقال عمر رضي الله عنه : فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا فرحمنا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبرحمته التي وسعت كل شئ . ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه ، وهو عندنا بالإسناد : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، خرج زمان الجاهلية مع أناس من قريش في تجارة إلى الشام ، قال : فإني لفى سوق من أسواقها ، إذا ببطريق قد قبض على عنقي ، فذهبت أنازعه ، فقيل لي : لا تفعل ، فإنه لا نصف لك منه ، فأدخلنى كنيسة ، فإذا تراب عظيم ملقى ، فجاءنى بزنبيل ومجرفة ، فقال : انقل ما هاهنا ، فجعلت أنظر كيف أصنع ، فلما كان في الهاجرة وافانى وعليه ثوب أرى سائر جسده منه ، فقال : أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا ، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغى ، فقلت : واثكل أمك يا عمر ، أبلغت ما أرى ، ثم وثبت إلى المجرفة ، فضربت بها هامته ، فنثرت دماغه ، ثم واريته في التراب ، وخرجت على وجهي ، لا أدرى أين أسير ، فسرت بقية يومى وليلتى ومن الغد إلى الهاجرة ، فانتهيت إلى دير ، فاستظللت بفنائه ، فخرج إلىّ منه رجل ، فقال لي : يا عبد الله ، ما يقعدك هنا ؟ فقلت : أضللت أصحابي ، فقال لي : ما أنت على طريق ، وإنك لتنظر بعيني خائف ، فادخل وأصب من الطعام ، واسترح ، فدخلت فأتاني بطعام وشراب ، وألطفنى ، ثم صعد في النظر وصوبه ، فقال : قد علم أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو الكتب منى ، وإني لأرى صفتك ، الصفة التي تخرجنا من هذا الدير ، وتغلبنا عليه ، فقلت له : يا هذا ، لقد ذهبت في غير مذهب . فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : عمر بن الخطاب ، قال : أنت والله صاحبنا ، فاكتب لي على ديرى هذا وما فيه ، فقلت : يا هذا ، إنك قد صنعت إلىّ صنيعة فلا تكدرها ، فقال : إنما هو كتاب في رق ، فإن كنت صاحبنا فذاك ، وإلا لم يضرك شئ ، فكتبت له على ديره وما فيه ، فأتاني بثياب ودراهم ، فدفعها إلىّ ، ثم أوكف أتانا ، فقال : أتراها ؟ قلت : نعم ، قال : سر عليها ، فإنك لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك ، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة ، فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلىّ ، قال : فركبتها ، فكان كما قال ، حتى لحقت أصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز ، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم ، فلما وافى عمر الشام في خلافته ، جاءه ذلك الراهب بالكتاب ، وهو صاحب دير العدس ، فلما رآه عرفه ، ثم قال : قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه ، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه ، فلما فرغ منه ، أقبل على الراهب ، فقال : هل عندكم من نفع للمسلمين ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فوفى له عمر رضي الله عنه .